محمد بن وليد الطرطوشي
115
سراج الملوك
وفي مثل هذا قيل للعتّابي « 1 » - وكان لا يبالي ما لبس - مالك لا تجيد الملبوس ؟ فقال : إنّما يرفع الرجل أدبه وعقله لا حليته وحلّته ، لحى الله امرأ « 2 » يرضى أن ترفعه هيئته وجماله ، لا واللّه حتى يشرّفه أصغراه : لسانه وقلبه ، ويعلو به أكبراه : همّته ولبّه « 3 » . ولما دخل ضمرة بن ضمرة « 4 » على المنذر بن المنذر « 5 » وهو ملك - وكان ضمرة ذا رأي وعقل - احتقرته عيناه لدمامته ، فقال : ( لأن تسمع بالمعيديّ خير من أن تراه ) « 6 » فقال ضمرة : أبيت اللعن « 7 » إنّ القوم ليسوا بجزر تجزر ، إنّما المرء بأصغريه : قلبه ولسانه ، فإذا نطق نطق ببيان « 8 » ، وإذا قاتل قاتل بجنان « 9 » ، والرجال لا تكال بالقفزان « 10 » ، ولا توزن بالقبّان « 11 » . فأعجب المنذر بكلامه . وروي أنّ : روح بن زنباع « 12 » ، كان في طريق مكة ، في يوم شديد الحر مع أصحابه ، فنزلوا ، فضربت لهم الخيام والظّلال ، وقدّم إليهم الطعام والشراب المبرد ، فبينما هم كذلك ، إذا هم براع ، فدعاه للطعام فأبى ، وقال : إني صائم ، قال له روح : في مثل هذا اليوم الحار تصوم ؟ قال : أفأدع أيّامي تذهب باطلا ؟ قال روح : لقد ضننت بأيامك يا راعي ، إذ جاد بها روح بن زنباع .
--> ( 1 ) العتابي : كلثوم بن عمرو الثعلبي ، شاعر بليغ من أهل الشام ، توفي سنة 220 ه ( الوافي بالوفيات 24 / 267 ) . ( 2 ) لحى الله امرأ : أي قبّحه ولعنه . ( 3 ) اللب : العقل ، وجمعه ألباب . ( 4 ) ضمرة بن ضمرة بن جابر النهشلي المعيدي : شاعر جاهلي من الشجعان الرؤساء ، كان ذا رأي وحكمة ، ولكن كريه المنظر ، كان اسمه ( شقة بن ضمرة ) فسماه المنذر بن ماء السماء ( ضمرة ) ( الأعلام 3 / 216 ) . ( 5 ) المنذر بن المنذر : ثالث ملوك المناذرة ، ملوك الحيرة في العراق من قبل الفرس ، وهو المنذر ابن ماء السماء ، وماء السماء وهي أمّه ، وقد سميت بذلك لجمالها ( الأعلام 7 / 292 ) . ( 6 ) أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه : مثل يضرب لمن كان خبره خير من مرآه ، وأول من قال هذا المثل هو المنذر بن ماء السماء ، حيث كان يسمع ( بشقه بن ضمرة المعيدي ) ويعجبه ما يبلغه عنه ، فلما رآه وكان كريه المنظر قال : ( أن تسمع بالمعيدي خير من أن تراه ) فأصبح مثلا . ( 7 ) أبيت اللعن : هذه تحية الملوك في الجاهلية ، ومعناها : ( لا فعلت أيها الملك ما يستوجب اللعن ) . ( 8 ) البيان : النطق الفصيح المعبر عما في الضمير ومنه : ( أن من البيان لسحرا ) . ( 9 ) الجنان : القلب . ( 10 ) القفزان : مفردها قفيز وهو المكيال ، والقفيز من الأرض قدر مائة وأربع وأربعين ذراعا . ( 11 ) القبّان : الميزان ذو الذراع الطويلة . ( 12 ) روح بن زنباع : روح بن زنباع بن روح بن سلامة الجذامي ، أبو زرعة ، أمير فلسطين أيام يزيد ابن معاوية ، وكان عبد الملك بن مروان يستشيره سيد اليمانية في الشام وقائدها وخطيبها وشجاعها ، توفي سنة 84 ه ( الأعلام 3 / 34 ) .